الحلبي
118
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وفي الإمتاع : لما مات قثم بن عبد المطلب قبل مولد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بثلاث سنين وهو ابن تسع سنين وجد عليه وجدا شديدا ، فلما ولد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سماه قثم حتى أخبرته أمه آمنة أنها أمرت في منامها أن تسميه محمدا ، فسماه محمدا : أي ولا مخالفة بين هذه الروايات على تقدير صحتها كما لا يخفى ، لأنه يجوز أن يكون نسي تلك الرؤية ثم تذكرها ، ويكون معنى سؤاله : ما حملك على أن تسميه محمدا وليس من أسماء قومك ؟ أي لم استقر أمرك على أن تسميه محمدا ؟ وذكر بعضهم أنه لا يعرف في العرب من تسمى بهذا الاسم : يعني محمدا قبله إلا ثلاثة طمع آباؤهم حين وفدوا على بعض الملوك وكان عنده علم من الكتاب الأول ، وأخبرهم بمبعث النبي صلى اللّه عليه وسلم : أي بالحجاز وبقرب زمنه وباسمه المذكور الذي هو محمد ، وهو يدل على أن اسمه في بعض الكتب القديمة محمد ، وكان كل واحد منهم قد خلف زوجته حاملا فنذر كل واحد منهم إن ولد له ذكر أن يسميه محمدا ، ففعلوا ذلك . وفي الشفاء أن في هذين الاسمين محمد وأحمد من بدائع آياته : أي المصطفى وعجائب خصائصه أن اللّه تعالى حماهما عن أن يسمى بهما أحد قبل زمانه : أي قبل شيوع وجوده . أما أحمد الذي أتى في الكتب القديمة وبشرت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فمنع اللّه تعالى بحكمته أن يتسمى به أحد غيره ، ولا يدعى به مدعو قبله منذ خلقت الدنيا وفي حياته . زاد الزين العراقي : ولا في زمن أصحابه رضي اللّه تعالى عنهم حتى لا يدخل لبس أو شك على ضعيف القلب : أي فالتسمية به من خصائصه صلى اللّه عليه وسلم على جميع الناس ممن تقدمه ، خلافا لما يوهمه كلام الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى أنه من خصائصه على الأنبياء فقط . ومن ثم ذهب بعضهم إلى أفضليته على محمد . وقال الصلاح الصفدي : إنّ أحمد أبلغ من محمد ، كما أن أحمر وأصفر أبلغ من محمر ومصفر ، ولعله لكونه منقولا عن أفعل التفضيل ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم أحمد الحامدين لرب العالمين ، لأنه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم تفتح على أحد قبله . وفي الهدى : لو كان اسمه أحمد باعتبار حمده لربه لكان الأولى أن يسمى الحماد كما سميت بذلك أمته ، وأما هذا فهو الذي يحمده أهل السماء والأرض وأهل الدنيا والآخرة ، لكثرة خصاله المحمودة التي تزيد على عد العادين وإحصاء المحصين : أي أحق الناس وأولاهم بأن يحمد ، فهو كمحمد في المعنى ، فهو مأخوذ من الفعل الواقع على المفعول لا الواقع من الفاعل . وحينئذ فالفرق بين محمد وأحمد أن محمدا من كثر حمد الناس له ، وأحمد من يكون حمد الناس له أفضل من حمد غيره ، وسيأتي عن الشفاء أنه أحمد المحمودين ، وأحمد الحامدين ، فيجوز أن